بقلم: محمد محمود ولد محمد أحمد
في المشهد الثقافي العربي الحديث، برز شعراء تركوا أثرًا عميقًا في الوجدان الجمعي، لا بسبب جمال قصائدهم فقط، بل أيضًا لما امتازوا به من صدق العاطفة، وكثافة الصورة الشعرية، وعذوبة الإيقاع، وبراعة التعبير.
ولعل اللافت في مسيرة عدد من هؤلاء أن تخصصاتهم العلمية لم تكن في الأدب أو العلوم الإنسانية، بل في ميادين بعيدة عنها ظاهريًا، كالهندسة والطب وسائر العلوم التطبيقية. ومع ذلك، لم يحل ذلك دون تفجر شاعريتهم أو تميزهم في عالم الشعر.
ومن الأمثلة العربية البارزة الطبيب المصري إبراهيم ناجي، صاحب القصيدة الخالدة «الأطلال»، التي زادها صوت أم كلثوم حضورًا وخلودًا في الذاكرة العربية. ففي شعره تجتمع رهافة الحس مع عمق التجربة وصدق الحنين، وهو ما يؤكد أن الموهبة الشعرية لا ترتبط بالضرورة بطبيعة التخصص الأكاديمي.
وفي السياق الموريتاني، يبرز اسم المهندس الشاعر حمادي بهَيَّ، الذي جمع بين عالم التقنية الصاخب وعالم الشعر الشفيف. فقد قادته مهنته إلى أجواء الآلات والمحركات والضجيج الصناعي، لكنه ظل وفيًا لذاكرته الأولى، ولأمكنة الصبا، ولتفاصيل الحياة البدوية الهادئة التي لم تغادر وجدانه.
وبين قسوة الواقع العملي ونعومة الذكرى، ظل الشاعر المهندس يصوغ حنينه في أبيات عذبة، تستعيد المكان والرفقة والزمن الجميل، وتمنح التجربة الشخصية بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الفرد إلى المشترك الجمعي.
ومن زاوية لافتة في رؤيته الأدبية، يدافع حمادي بهَيَّ عن الأسماء الأصلية للأمكنة والدِّمن في موريتانيا، معتبرًا أن ترجمتها إلى العربية الفصحى تُفقد النص شيئًا من انتمائه إلى الأرض التي خرج منها. وهي ملاحظة تحمل بعدًا ثقافيًا مهمًا، لأنها تتصل بعلاقة الشعر بالهوية، وبالخصوصية المحلية، وبالذاكرة المكانية التي تشكل جزءًا من روح النص.
وفي هذا الإطار، تبدو تجربته الشعرية تعبيرًا عن وفاء نادر للمكان الأول، وعن ارتباط وجداني عميق بالماضي الموريتاني الهادئ، ماضي البداوة العالمة، والحياة الصافية، والمجالس التي كانت تجمع بين البساطة والصفاء والمعنى.
ومن جميل ما يُستحضر في هذا السياق قوله:
على نجدِ عرّيظٍ منازلُ للأُنـسِ
عَفَتْها صُروفُ الدهرِ قاتلةُ الإنسِ
فكنتُ بها دهرَ الصبابةِ واللـــقا
أظَلُّ مع الخِلّانِ نغدو كما نمسي
نُعَتِّقُ نَخبَ العمرِ حتى يروقنا
ونشربُه بالكفِّ طورًا وبالكأسِ
ونشربُ من وارارَه أعذبَ مائِها
ففيه شفاءُ القلبِ والروحِ والنفسِ
سلامٌ على تلكَ الربوعِ وقد نأتْ
وإن أصبحتْ رَمسًا، سلامٌ على الرَّمسِ.
إن هذه النماذج تؤكد بوضوح أن الشعر ليس حكرًا على دارسي الأدب، كما أن التعمق في العلوم التجريبية لا يعني الابتعاد عن الجمال أو الانفصال عن عالم الإحساس. بل قد تكون التجربة العلمية نفسها مصدرًا إضافيًا للانضباط، والدقة، وثراء الرؤية.
وهكذا يظل الشعر والعلم، في جوهرهما، وجهين لقمر واحد:
الأول يضيء العقل، والثاني يضيء الروح.





